ابن رشد

58

تهافت التهافت

بالطبع ، مع أنه يجوز أن يكون معه في الوجود الزماني . وكتقدم العلة على المعلول ، مثل تقدم حركة الشخص على حركة الظل التابع له ، وحركة اليد مع حركة الخاتم ، وحركة اليد في الماء ، مع حركة الماء . فإنها متساوية في الزمان ، وبعضها علة وبعضها معلول ، إذ يقال : تحرك الظل بحركة الشخص ، وتحرك الماء بحركة اليد في الماء . ولا يقال : تحرك الشخص بحركة الظل ، وتحرك اليد بحركة الماء ، وإن كانت متساوية . فإن أريد بتقدم الباري سبحانه على العالم هذا لزم أن يكونا حادثين أو قديمين ، واستحال أن يكون أحدهما حادثا والآخر قديما . وإن أريد أن الباري تعالى متقدم على العالم والزمان لا بالذات بل بالزمان ، فإذن قبل وجود العالم والزمان ، زمان ، كان العالم فيه معدوما ، إذ كان العدم سابقا على الوجود وكان اللّه تعالى سابقا بمدة مديدة ، لها طرف من جهة الآخر ، ولا طرف لها من جهة الأول . فإذن قبل الزمان زمان لا نهاية له وهو متناقض ، ولأجله يستحيل القول بحدوث الزمان . وإذ وجب قدم الزمان وهو عبارة عن قدر الحركة ، ووجب قدم الحركة ، وجب قدم المتحرك الذي يدوم الزمان بدوام حركته . قلت : أما مساق القول الذي حكاه عنهم فليس ببرهان . وذلك أن حاصله هو أن الباري سبحانه إن كان متقدما على العالم ، فإما أن يكون متقدما بالسببية ، لا بالزمان ، مثل ما تقدم الشخص ظله ، وإما أن يكون متقدما بالزمان مثل تقدم البناء على الحائط . فإن كان متقدما تقدم الشخص ظله ، والباري قديم ، فالعالم قديم . وإن كان متقدما بالزمان وجب أن يكون متقدما على العالم بزمان لا أول له ، فيكون الزمان قديما . لأنه إذا كان قبل الزمان زمان فلا يتصور حدوثه . وإذا كان الزمان قديما ، فالحركة قديمة ، لأن الزمان لا يفهم إلا مع الحركة . وإذا كانت الحركة قديمة ، فالمتحرك بها قديم ، والمحرك لها ضرورة قديم . وإنما كان هذا البرهان غير صحيح ، لأن الباري سبحانه ليس شأنه أن يكون في زمان ، والعالم شأنه أن يكون في زمان . فليس يصدق عند مقايسة القديم إلى العالم أنه إما أن يكون معا ، وإما أن يكون متقدما عليه بالزمان أو بالسببية ، لأن القديم ليس مما شأنه أن يكون في زمان ، والعالم شأنه أن يكون في زمان . قال أبو حامد : والاعتراض هو أن يقال : الزمان حادث ومخلوق وليس قبله زمان أصلا ، ونعني بقولنا : إن اللّه تعالى متقدم على العالم والزمان إنه كان ولا عالم ولا زمان ثم كان ومعه عالم وزمان .